العيني

39

عمدة القاري

الواو والميم والسين ، ورواه ابن الوليد عن ابن السماك : المآميس ، بالهمز ، فإن صح الهمز فهو من : ماس الرجل ، إذا لم يلتفت إلى موعظة ، ومأس ما بين يدي القوم : أفسد ، وهذا بمعنى المجاهرة والاستهتار ، ويكون وزنه على هذا : فعاليل . قوله : ( في صومعته ) . . . . قوله : ( فكلمته ) ، أي : في ترغيبه في مباشرتها . قوله : ( فولدت ) ، فيه حذف كثير تقديره : فأمكنته من نفسها ، يعني : زنى بها فحبلت ثم ولدت غلاماً ، فقالت : أي المرأة ، هو ، أي : الغلام ، من جريج . قوله : ( ثم أتى الغلام ) ، بالنصب أي : الطفل الذي في المهد قبل زمان تكلمه . قوله : ( قال : لا ) أي : قال جريج : لا تبنوها إلاَّ من طين ، وقال ابن مالك : فيه شاهد على حذف المجزوم : بلا ، كما قدرناه . ذكر ما يستفاد منه : فيه : الاحتجاج بأن شرع من قبلنا شرع لنا ، وقال الكرماني : واحتج البخاري به على الترجمة بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا ، وفيه نظر ، لأن شرعنا أوجب المثل في المثليات ، والحائط متقوم لا مثلي . انتهى . قلت : شرع من قبلنا يلزمنا ما لم يقص الله علينا بالإنكار ، وقد قلنا : إن الحائط إذا كان من خشب يكون من ذوات القيم ، وإن كان من الطين والحجر يبنى بأن يعاد مثله . وفيه : أن الطفل يدعى غلاماً وفيه : أنه أحد من تكلم في المهد ، وقال الضحاك : تكلم في المهد ستة : شاهد يوسف ، عليه الصلاة والسلام ، وابن ماشطة فرعون ، وعيسى ، ويحيى ، عليهما الصلاة والسلام ، وصاحب جريج ، وصاحب الأخدود . وفيه : المطالبة ، كما طالبت بنو إسرائيل جريجاً بما ادعته المرأة عليه ، وأصل هذه المطالبة أن أهل تلك البلدة كانوا يعظمون أمر الزنا ، فظهر أمر تلك المرأة في البلد ، فلما وضعت حملها أخبر الملك أن امرأة قد ولدت من الزنا ، فدعاها فقال لها : من أين لك هذا الولد ؟ قالت : من جريج الراهب ، قد واقعني . فبعث الملك أعوانه إليه وهو في الصلاة فنادوه فلم يجبهم حتى جاؤوا إليه بالمرو والمساحي وهدموا صومعته وجعلوا في عنقه حبلاً وجاؤا به إلى الملك ، فقال له الملك : إنك قد جعلت نفسك عابداً ثم تهتك حريم الناس وتتعاطى ما لا يحل له ؟ قال : أي شيء فعلت ؟ قال : إنك زنيت بامرأة كذا . فقال : لم أفعل ، فلم يصدقوه وحلف على ذلك فلم يصدقوه ، فقال : فردوني إلى أمي ، فردوه إليها فقال لها : يا أماه إنك دعوت الله علي فاستجاب الله دعاءك ، فادعى الله أن يكشف عني بدعائك . فقالت : اللهم إن كان جريج إنما أخذته بدعوتي فاكشف عنه ، فرجع جريج إلى الملك ، فقال : أين هذه المرأة ؟ وأين هذا الصبي ؟ فجاؤوا بهما ، فسألوهما ، فقالت المرأة : بلى هذا الذي فعل بي ، فوضع جريج يديه على رأس الصبي ، وقال : بحق الذي خلقك أن تخبرني من أبوك ؟ فتكلم الصبي بإذن الله تعالى ، وقال : إن أبي فلان الراعي ، فلما سمعت المرأة بذلك اعترفت ، وقالت : كنت كاذبة ، وإنما فعل بي فلان الراعي . وفي رواية أخرى أن المرأة كانت حاملاً لم تضع بعد ، فقال لها : أين أصبتك ؟ قالت : تحت شجرة ، وكانت الشجرة بجنب صومعته ، قال جريج : أخرجوا إلى تلك الشجرة ، ثم قال : يا شجرة ! أسألك بالذي خلقكك أن تخبريني من زنى بهذه المرأة ؟ فقال كل غصن منها : راعي الغنم ، ثم طعن بإصبعه في بطنها ، وقال : يا غلام ! من أبوك ؟ فنادى من بطنها : أبي راعي الغنم ، فعند ذلك اعتذر الملك إلى جريج ، وقال : إئذن لي أن أبني صومعتك بالذهب ؟ قال : لا . قال : فبالفضة ؟ قال : لا ، ولكن بالطين كما كان ، فبنوه بالطين كما كان ، هكذا ساق هذه القصة الإمام أبو الليث السمرقندي في كتاب ( تنبيه الغافلين ) ، وذكر أبو الليث عن يزيد بن حوشب الفهري عن أبيه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لو كان جريج الراهب فقيهاً لعلم أن إجابة أمه أفضل من عبادة ربه ) . وفيه : إثبات الكرامة للأولياء . وقال ابن بطال : يمكن أن يكون جريج نبياً ، لأن النبوة كانت ممكنة في بني إسرائيل غير ممتنعة عليهم ، ولا نبي بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فليس يجري من الآيات بعده ما يكون خرقاً للعادة ولا قلب العين ، وإنما يكون كرامة لأوليائه ، مثل : دعز مجابة ورؤيا صالحة وبركة ظاهرة وفضل بين وتوفيق من الله تعالى إلى الإبراء مما اتهم به الصالحون وامتحن به المتقون . وفيه : أن دعاء الأم أو الأب على ولده ، إذا كان بنية خالصة ، قد يجاب ، وإن كان في حال الضجر . وفيه : أيضاً خلاص الولد من بلية باتلي بها ببركة دعاء والديه . وفيه : دليل أن الوضوء كان لغير هذه الأمة أيضاً إلاَّ أن هذه الأمة قد خصت بالغرة والتحجيل خلافاً لمن خصها بأصل الوضوء . بِسْمِ الله الرحْمانِ الرَّحِيم